المتنبّي
هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفيّ، ولقبه أبو الطيب، وُلدَ في منطقةِ كندة في الكوفة عام 916م الموافق 303 هجري، ولها نُسب. اشتُهرَ المتنبّي بالشِّعر، وهو أحد رموز الأدب العربيّ ومفاخره، كتَب الكثير من الحِكَم البليغة
والأمثالِ الباقية؛ حيثُ إنّ ديوانه الشعريّ قد طُبع مئات المرّات ولا زال يُطبَع إلى الآن
حياة المتنبي..
عاشَ المُتنبيّ في الشّام ونشأ فيها، ثمّ ذهبَ يتنقَّل في البادية طالباً علم العربيّة شعراً ولُغةً وإعراباً، والأدب وأيّام النّاس، فنَشأ خيرَ نَشأةٍ، وقد عاشَ في فترة الخلافة العباسية في أحلك فتراتها وتمزّقاتها السياسية والاجتماعية. بدأ نطق الشِّعر وتأليفه وهو صبيّ، وقد عاصر سيفَ الدولة الحمداني ومَدَحه وكان ذا حظٍّ عنده، كما ذهب لفارسَ والعِراق فمدحَ عضد الدولة ابن بويه الديلمي، ومدح كافور الإخشيدي في مصر طالباً إياه الولاية، فلم يُعطه،[] فهجاه قائلاً:[] لا تشتَرِ العبدَ إلاّ والعَصا مَعهُ إنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ سبب تسميته بالمتنبّي تختَلفُ الأقوال في سبب تسميته بالمُتنبّي، والأقوال هي كالآتي: لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما قيل عنه من ادّعاء النبّوة في شبابه، وقد لقيَ عِقاب ادّعائه من والي حمص فسُجِن؛[] إلّا أنّ هذه الرواية مُلفّقة لا صحّة لها، وقد وُضعت بعد زمنٍ من وفاة المتنبّي بحسب الأديب المصري أبو فهرٍ محمود محمّد شاكر، الذي تتبع روايات النبوة كلها.[] لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما وردَ عنه من ورعٍ في خُلقه، فقد كان آخذاً نفسه بالجدّ ومُنصرفاً للعلم ولا يقربُ الفواحش، وقد حظيَ بمنزلةٍ عظيمة عند عُلماء الأدب واللغة والنحو؛ أمثال الربعي وابن جني وأبي علي الفارسي، وقد كان مُكثراً من ذِكر الأنبياء في شعره، مُشبِّها نفسه بهم، ومُقارناً أخلاقَ من يمدحهم إلى أخلاقهم،[] ومن ذلك قوله عن نفسه:[] مَا مُقامي بأرْضِ نَخْلَةَ إلاّ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّـه غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ وردَ عن أبي علاءٍ المعرّي قوله في كتابه معجز أحمد أنّ المُتنبّي لُقّب بهذا اللقب نسبة إلى النَبْوَة، ومعناها المكانُ المرتفع؛ إشارةً لرفعة شِعره وعُلوّه لا إشارةً لادّعائه النبوّة.[]
موت المتنبّي
سَمَع المُتنبّي بسيف الدّولة الحمداني وأفضاله، وقد كان يقرُبُه في السِّن؛ فجاءه وطلبَ منه أنْ يمدحه بشعره، فأجاز له سيف الدّولة الحمداني ذلك، وأكرمه على قصائده وقرّبه منه، وسادت بينهما المودة والاحترام، إلّا المتنبّي قد اشتُهر بإفراده جزءاً كبيراً من قصائده لنفسه؛ حيثُ يُقدّم مدح نفسه على ممدوحه، ممّا أحدث جفاءً بينه وبين عضد الدّولة والذي زاده كارهوه في بلاط سيف الدّولة، وبعد جفاءً طال من سيف الدّولة جافاه المتنبّي كذلك، وغادره إلى مصر حزيناً قائلاً في قصيدة مطلعها:[] وَاحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلْبُهُ شَبِمُ ومَن بِجِسمي وَحالي عِنْدَهُ سَقَمُ ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قد بَرَى جَسَدي وتَدَّعِي حُبَّ سَيفِ الدَولةِ الأُمَمُ وأنهاها مُعاتباً بقوله:[] شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بهِ وشَرُّ ما يَكْسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ هذا عِتابكَ إِلاَّ أَنَّهُ مِقَةٌ قد ضُمِّنَ الدُرَّ إِلّا أَنَّهُ كَلِمُ ذهبَ المتنبّي لمصرَ طمعاً في ولايةٍ يوليها له كافور الإخشيديّ -على كرهه إياه لكونه عبداً- فمدحه ولم يكن مدحه صافياً؛ إنّما أدخل فيه جفاءه وحنينه لسيف الدّولة الحمداني، فقال في مطلع أول قصيدةٍ مدح بها كافور الإخشيديّ:[] كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى صَديقًا فَأَعيا أَو عَدُوًّا مُداجِيا لكنّ الإخشيديّ كان حذراً فلم يُعطِ المُتنبّي مُراده، فهجاهُ وهجا مصراً هِجاءً مُرّاً، وغادرَ مصرَ في يوم عيد، فقال قصيدته التي تضمنّت هجاءً لكافور الإخشيدي وحاشيته، ومطلعُها:[] عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ بعد ذلك توّجه إلى فارس ليمدحَ عضد الدّولة فيها، ثمّ شدّ رحاله بعد ذلك عائداً إلى بغداد حاملاً كلّ ما جمعه ممن مدحهم، ولم يرغب أن يستعين برجالٍ يحمونه من لصوص الطّريق، فلم يُرافقه حينها إلاّ ابنه محسَّد وغلامه، فاعترضَ طريقه رجلٌ يُدعى فاتك بن أبي جهل الأسدي ورجاله،[ وهو رجلٌ كان قد هجاه المتنبّي، وقد أوشك المتنبّي أن يفرّ حين تيقّن أنّ مهاجميه لهم الغلبة، فبادره غلامه بقوله: (لا يتحدّث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ)، فردّ عليه المتنبي قائلاً: (قتلتني قتلك الله)، فعاد للقتال فقاتل إلى أن قُتل ومات.[]
هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفيّ، ولقبه أبو الطيب، وُلدَ في منطقةِ كندة في الكوفة عام 916م الموافق 303 هجري، ولها نُسب. اشتُهرَ المتنبّي بالشِّعر، وهو أحد رموز الأدب العربيّ ومفاخره، كتَب الكثير من الحِكَم البليغة
والأمثالِ الباقية؛ حيثُ إنّ ديوانه الشعريّ قد طُبع مئات المرّات ولا زال يُطبَع إلى الآن
حياة المتنبي..
عاشَ المُتنبيّ في الشّام ونشأ فيها، ثمّ ذهبَ يتنقَّل في البادية طالباً علم العربيّة شعراً ولُغةً وإعراباً، والأدب وأيّام النّاس، فنَشأ خيرَ نَشأةٍ، وقد عاشَ في فترة الخلافة العباسية في أحلك فتراتها وتمزّقاتها السياسية والاجتماعية. بدأ نطق الشِّعر وتأليفه وهو صبيّ، وقد عاصر سيفَ الدولة الحمداني ومَدَحه وكان ذا حظٍّ عنده، كما ذهب لفارسَ والعِراق فمدحَ عضد الدولة ابن بويه الديلمي، ومدح كافور الإخشيدي في مصر طالباً إياه الولاية، فلم يُعطه،[] فهجاه قائلاً:[] لا تشتَرِ العبدَ إلاّ والعَصا مَعهُ إنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ سبب تسميته بالمتنبّي تختَلفُ الأقوال في سبب تسميته بالمُتنبّي، والأقوال هي كالآتي: لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما قيل عنه من ادّعاء النبّوة في شبابه، وقد لقيَ عِقاب ادّعائه من والي حمص فسُجِن؛[] إلّا أنّ هذه الرواية مُلفّقة لا صحّة لها، وقد وُضعت بعد زمنٍ من وفاة المتنبّي بحسب الأديب المصري أبو فهرٍ محمود محمّد شاكر، الذي تتبع روايات النبوة كلها.[] لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما وردَ عنه من ورعٍ في خُلقه، فقد كان آخذاً نفسه بالجدّ ومُنصرفاً للعلم ولا يقربُ الفواحش، وقد حظيَ بمنزلةٍ عظيمة عند عُلماء الأدب واللغة والنحو؛ أمثال الربعي وابن جني وأبي علي الفارسي، وقد كان مُكثراً من ذِكر الأنبياء في شعره، مُشبِّها نفسه بهم، ومُقارناً أخلاقَ من يمدحهم إلى أخلاقهم،[] ومن ذلك قوله عن نفسه:[] مَا مُقامي بأرْضِ نَخْلَةَ إلاّ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّـه غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ وردَ عن أبي علاءٍ المعرّي قوله في كتابه معجز أحمد أنّ المُتنبّي لُقّب بهذا اللقب نسبة إلى النَبْوَة، ومعناها المكانُ المرتفع؛ إشارةً لرفعة شِعره وعُلوّه لا إشارةً لادّعائه النبوّة.[]
موت المتنبّي
سَمَع المُتنبّي بسيف الدّولة الحمداني وأفضاله، وقد كان يقرُبُه في السِّن؛ فجاءه وطلبَ منه أنْ يمدحه بشعره، فأجاز له سيف الدّولة الحمداني ذلك، وأكرمه على قصائده وقرّبه منه، وسادت بينهما المودة والاحترام، إلّا المتنبّي قد اشتُهر بإفراده جزءاً كبيراً من قصائده لنفسه؛ حيثُ يُقدّم مدح نفسه على ممدوحه، ممّا أحدث جفاءً بينه وبين عضد الدّولة والذي زاده كارهوه في بلاط سيف الدّولة، وبعد جفاءً طال من سيف الدّولة جافاه المتنبّي كذلك، وغادره إلى مصر حزيناً قائلاً في قصيدة مطلعها:[] وَاحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلْبُهُ شَبِمُ ومَن بِجِسمي وَحالي عِنْدَهُ سَقَمُ ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قد بَرَى جَسَدي وتَدَّعِي حُبَّ سَيفِ الدَولةِ الأُمَمُ وأنهاها مُعاتباً بقوله:[] شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بهِ وشَرُّ ما يَكْسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ هذا عِتابكَ إِلاَّ أَنَّهُ مِقَةٌ قد ضُمِّنَ الدُرَّ إِلّا أَنَّهُ كَلِمُ ذهبَ المتنبّي لمصرَ طمعاً في ولايةٍ يوليها له كافور الإخشيديّ -على كرهه إياه لكونه عبداً- فمدحه ولم يكن مدحه صافياً؛ إنّما أدخل فيه جفاءه وحنينه لسيف الدّولة الحمداني، فقال في مطلع أول قصيدةٍ مدح بها كافور الإخشيديّ:[] كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى صَديقًا فَأَعيا أَو عَدُوًّا مُداجِيا لكنّ الإخشيديّ كان حذراً فلم يُعطِ المُتنبّي مُراده، فهجاهُ وهجا مصراً هِجاءً مُرّاً، وغادرَ مصرَ في يوم عيد، فقال قصيدته التي تضمنّت هجاءً لكافور الإخشيدي وحاشيته، ومطلعُها:[] عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ بعد ذلك توّجه إلى فارس ليمدحَ عضد الدّولة فيها، ثمّ شدّ رحاله بعد ذلك عائداً إلى بغداد حاملاً كلّ ما جمعه ممن مدحهم، ولم يرغب أن يستعين برجالٍ يحمونه من لصوص الطّريق، فلم يُرافقه حينها إلاّ ابنه محسَّد وغلامه، فاعترضَ طريقه رجلٌ يُدعى فاتك بن أبي جهل الأسدي ورجاله،[ وهو رجلٌ كان قد هجاه المتنبّي، وقد أوشك المتنبّي أن يفرّ حين تيقّن أنّ مهاجميه لهم الغلبة، فبادره غلامه بقوله: (لا يتحدّث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ)، فردّ عليه المتنبي قائلاً: (قتلتني قتلك الله)، فعاد للقتال فقاتل إلى أن قُتل ومات.[]

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق